Arabic – ضرورة تغيير الأمم المتحدة أو تركها

ضرورة تغيير الأمم المتحدة أو تركها

  1. قرارات منحازة من الأمم المتحدة

لقد اتخذت الأمم المتحدة منذ تأسيسها عدة قرارات ومواقف منحازة، انتقدتها بشدة أوساط المفكرين العرب، ولكن دون طرح حل جاد لأساس المشكلة. نذكر من تلك المواقف على سبيل المثال ما يلي:

  • لقد قررت الأمم المتحدة خلق دولة إسرائيل، منتهكة بذلك الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني. ولكن هذه الدولة تجاورت حدودها واحتلت عام 1967 الضفة الغربية، ومرتفعات الجولان وقطاع غزة، منتهكة كل يوم حقوق الإنسان في هذه المناطق، دون أن تتمكن الأمم المتحدة من التدخل لوقف هذه الانتهاكات،

لإجبار إسرائيل على الخروج مما احتلته. وعجز الأمم المتحدة هذا يعود ، ليس فقط إلى تشبث إسرائيل برأيها وتصلبها، وإنما أيضا إلى موقف أمريكا الداعم لها في كل أعمالها. وهذا الموقف يختلف تماما عما حدث بعد احتلال الكويت من قبل العراق، حيث اتخذت القرارات بسرعة فائقة ونفذت بسرعة أكبر وبوسائل لم يسبق لها مثيل في التاريخ البشري، لأن للغرب مصالح بترولية ضخمة في منطقة الخليج تحميها أكثر من عشر قواعد عسكرية أمريكية وبريطانية وفرنسية متواجدة من سنين قبل أزمة الخليج في عمان والبحرين والسعودية وجيبوتي، وحاليا في دول خليجية أخرى مثل الإمارات المتحدة وقطر والكويت.

  • في الحرب العراقية الإيرانية، والتي استمرت ثماني سنوات، بقيت الأمم المتحدة مكتوفة الأيدي دون عمل أي شيء يذكر لوقف هذه المأساة، رغم قدرتها على ذلك. وهذا التصرف المشبوه، على رأي الكاتب الغربي جون كونراد «لا يعود إلى أن الأمم المتحدة كانت تنقصها الوسيلة لإنهاء الحرب تطبيقا لميثاقها… بل لغياب إرادتها في إيقافها. فهناك فئة كانت تعتقد أن مصلحتها السياسية تكمن في استمرار حرب الإبادة بين الطرفين. وفئة ثالثة كانت غير مكترثة وغير مبالية». والأهم من ذلك أن الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن لم يقوموا بما يمليه عليهم واجبهم في حفظ الأمن والسلام الدوليين.
  • بعد احتلال العراق للكويت، قامت الأمم المتحدة، بضغط لم يسبق له مثيل من قبل الولايات المتحدة، باتخاذ قرار يجيز الحل العسكري رغم أن ميثاقها يفرض عليها أولا البحث عن الحل السياسي. فقد استُعمِلت الأمم المتحدة وسيلة لإعلان الحرب على العراق، فكانت السبب في إعداد هائلة من القتلى، وصفوف ضخمة من اليتامى والأرامل والجرحى وفي تدمير الاقتصاد والبيئة في منطقة الخليج.
  • قررت لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة في مارس 1991 تقصي الحقائق عن حالات انتهاك حقوق الإنسان في الكويت خلال احتلال العراق له. وقد رفض الممثلون الغربيون لدى اللجنة المذكورة أن تشمل أيضا هذه التحقيقات الانتهاكات الحالية لحقوق الإنسان بعد خروج العراقيين من الكويت. وأما بخصوص تعويضات المتضررين من أزمة الخليج، فان الأمم المتحدة قررت النظر فقط في طلبات من تضرر من قبل العراق دون الأخذ بعين الاعتبار طلبات من تضرر من قبل الدول المتحالفة (ومن بينهم حوالي مليون فلسطيني ومليوني يمني طردتهم السعودية ودول الخليج الأخرى دون أي تعويض).

والآن لننظر في مبادئ وأهداف الأمم المتحدة. يقول الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الذي أصدرته الأمم المتحدة، في مادته الأولى: «يولد جميع الناس أحرارا ومتساوين في الكرامة والحقوق» ومن جهة أخرى، فان أهداف الأمم المتحدة، حسب ميثاقها، إنقاذ «الأجيال المقبلة من ويلات الحرب…». إن ما سبق شرحه يبرهن على وجود تعارض تام بين مبادئ وأهداف الأمم المتحدة من جهة وقراراتها من جهة أخرى. إن هذه المنظمة تعتبر الناس درجات: فمنهم من له حق، ومنهم من لا حق له. كما أنها أصبحت أداة حرب بدلا من أن تكون أداة سلام. وهذا الوضع الشديد الخطورة أساسه النظام غير الديمقراطي للأمم المتحدة.

  1. الأمم المتحدة منظمة غير ديمقراطية

هناك جهازان للأمم المتحدة: الجهاز الأول هو الجمعية العامة وتتكون من جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة. ولكن قرارات هذا الجهاز تبقى حبرا على ورق دون أي أثر ودون أية فائدة.

أما الجهاز الثاني فهو مجلس الأمن، مهمته حفظ السلام العالمي. وهذا المجلس مكون من خمسة أعضاء دائمين: الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا والصين وروسيا. تم الاتفاق على عددهم ودورهم من قبلهم وحدهم دون تدخل خارجي. ولا أحد له الحق في الاعتراض على أعمالهم في مجلس الأمن. فلهم حق العربدة والسيطرة دون حساب. وهناك عشرة أعضاء آخرون غير دائمين يلعبون دور زخرفة دون فائدة. فللأعضاء الدائمين وحدهم حق الديمومة وحق النقض الفيتو، حيث أن اعتراض أحدهم يكفي لتعطيل أي قرار وإيقاف سريان مفعوله.

إن الخمسة أعضاء الدائمين المسؤولين عن حفظ السلام العالمي يمثلون الدول المصدرة الرئيسية للسلاح في العالم. وهكذا أصبحت الدنيا «حاميها حراميها»، كما يقول المثل العامي. وبالإضافة إلى ذلك، فان هذه الدول الدائمة العضوية لا تشكل إلا جزءا صغيرا من دول العالم ومن سكانه. فعدد المسلمين، على سبيل المثال، يزيد عن مليار نسمة، وعدد العرب يزيد عن 250 مليون نسمة. ولهذا العدد الهائل من المسلمين والعرب وزن، في مجلس الأمن، أقل من وزن فرنسا أو بريطانيا التي لا يتجاوز عدد سكان كل منهما 55 مليون نسمة. وهكذا أصبح هذا العدد الهائل من المسلمين تحت رحمة قرارات لا تشارك دولهم في صياغتها ولا تملك حق الاعتراض عليها.

  1. تغيير الأمم المتحدة أو تركها

إن ما سبق، يثبت بما لا يدع للشك مكان، بأن الأمم المتحدة منظمة غير ديمقراطية تخدم استمرار مصالح خمس دول على العالم، وإن أدى ذلك إلى انتهاك لحقوق الإنسان والى إشعال فتيل الحرب. فما العمل في هذه الحالة؟ هناك حلان لا ثالث لهما: إما تغيير نظام مجلس الأمن، وإما ترك الأمم المتحدة.

نقصد بتغيير نظام مجلس الأمن زيادة عدد مقاعد الأعضاء الدائمين موزعة على مناطق العالم المختلفة وفق التعداد السكاني. وهكذا ستحصل دول العالم الثالث على أكثرية المقاعد. ولكن ذلك من المستحيل تحقيقه. فالدول الدائمة العضوية اليوم ترفض أي انتقاص من إمتيازاتها أو اقتسامها مع غيرها. ولديها في المادة 108 من الميثاق ما يكفيها للتصدي لهذا تغيير، إذ يجب موافقتها جميعا أو سكوت بعضها لتحقيقه. فلا يبقى حين ذلك إلا الخروج من الأمم المتحدة.

ومن المناسب أن نشير هنا، إلى أن انضمام الدول العربية إلى الأمم المتحدة تم دون استشارة شعوبها. وهذا مخالف للمادة 21 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان التي تعطي «كل شخص حق المشاركة في إدارة الشؤون العامة لبلده». وهذا أيضا مخالف للقرآن الكريم الذي يفرض استشارة الشعب في القرارات التي تخصه (سورة الشورى 42 آية 38، وسورة آل عمران 3 – آية 159). وعليه فيجب طرح موضوع الانضمام للأمم المتحدة أو تركها على التصويت الشعبي في الدول العربية والإسلامية كل على حدة.

بالإضافة إلى عدم إمكانية تغيير نظام الأمم المتحدة هناك عدد من الأسباب التي تدعم فكرة الخروج من هذه المنظمة:

ـ إن كل منظمة يجب تحليلها وفق مبدأ المنفعة. فكل أمر غير نافع يعتبر لا حاجة له. أو كما يقول المثل العربي «إن لم ينفعك ألباز فانتف ريشه». وبخصوص الأمم المتحدة، فإنها ليست فقط دون منفعة، بل إنما هي ضارة كل الضرر كما بينا سابقا. فإذا ذهبت إلى طبيب للمعالجة من داء تشكو منه ووجدت ان الطبيب ليس إلا جزارا، فلك الحق، بل الواجب عليك، ان تتركه حتى تتفادى المصيبة. ولنفكر هنا في الدور المشئوم الذي لعبته الأمم المتحدة في حرب الخليج.

  • إن الدور الوحيد الذي تلعبه الدول العربية في الأمم المتحدة هو في إطار الجمعية العامة والتي لا عمل لها إلا الثرثرة العقيمة. وهنا نتساءل بكل صراحة: أليس من الأفضل للدول العربية والإسلامية ان ترسل موظفيها للمشاركة في زراعة البطاطا والبصل في الحقول بنفس المعاشات التي يتقاضونها في الأمم المتحدة عوضا عن إضاعة الوقت في مثل تلك المناقشات الفارغة؟
  • إن ترك الأمم المتحدة ضروري كي لا يصبح وجود الدول العربية فيها حجة تتذرع بها تلك الدول لتبرير عدم قيامها بواجباتها وحل مشاكلها بذاتها. فكل مرة أصابت الدول العربية مصيبة تراكضت إلى هذه المنظمة طالبة العون مع علمها بأنها تضر ولا تنفع.
  • إن ترك الأمم المتحدة هو أسلوب سلمي، بل شكل من أشكال العصيان المدني ضد اضطهاد الدول الكبرى الخمس لشعوب الأرض المستضعفة، إذ من خلال تلك المنظمة تستمد هذه الدول مشروعيتها بهدف السيطرة على أجزاء كبيرة من العالم خدمة لمصالحها.

4) مثال سويسرا والأمم المتحدة

إن في الغرب عددا كبيرا من المؤلفات والمقالات التي تنتقد الأمم المتحدة، بل يطالب بعضها بحلها. أما العرب خاصة، والمسلمون عامة، فإنهم قانعون بالأمم المتحدة وكأن الانضمام إليها قدر مقدر. فرغم شعورهم الواضح بالضيق، فإنهم يحنون رؤوسهم أمامها سمعا وطاعة. ولذا فمن المهم تذكيرهم بما حدث في سويسرا.

لم تصبح سويسرا عضوا في الأمم المتحدة إلا عام 2002، رغم ان المقر الأوروبي لهذه المنظمة موجود على الأرض السويسرية، في مدينة جنيف بالذات. وقد عرض موضوع الانضمام إليها على الشعب السويسري في 61 مارس 1986 بعد نقاش طويل في جميع وسائل الإعلام. وقد قرر ثلاثة أرباع الشعب السويسري رفض دخول هذه المنظمة. ورغم ان أكثر السياسيين والبرلمانيين كانوا يطالبون بالانضمام للأمم المتحدة، فقد أتى قرار الشعب مغايرا لرغبتهم. وقد جاء من بين الأسباب التي عرضها معارضو الانضمام على الشعب السويسري: « ان الأمم المتحدة، والتي كان هدفها الأساسي خدمة السلام، أصبحت الآن المركز العالمي للتملق والديماجوجيا. فهي لا تخدم السلام بل تسمم العلاقات الدولية. ولا تجني سويسرا أية فائدة من دخولها هذه المنظمة ».

اما المجلس الاتحادي (وهو السلطة التنفيذية المكون من سبعة مستشارين) فقد أجاب على المعارضين بقوله: « تتواجه الآراء السياسية المختلفة في إطار الأمم المتحدة، ولكن ذلك لا يمنع الدول الأعضاء من البحث عن نقطة اتفاق بينها. فإن تنازعت تلك الدول فبالكلام وليس بالسلاح ». هذا ما قاله المجلس الاتحادي، وهو على خطأ بينما كان الشعب السويسري على حق. وحرب الخليج والحرب العراقية الإيرانية اكبر برهان على ذلك.

ولو أصاب سويسرا من هذه المنظمة ما أصاب الدول العربية من مذلة وإهانة لرأيت الفلاح السويسري البسيط شاهرا عصيه ومناجله في وجه ساسته دون أي تأخر مطالبا تركها حالا سريعا. وإذا كانت تصرفات الدول العربية والإسلامية تختلف حاليا عن تصرفات الفلاح السويسري فلأن رأي هذه الشعوب لا يؤخذ بالحسبان ولا يسأل عنه.

د. سامي الذيب

مستشار قانوني

مسؤول عن القسم العربي والإسلامي

في المعهد السويسري للقانون المقارن

www.sami-aldeeb.com

No comments yet.

Laisser un commentaire

Powered by WordPress. Designed by WooThemes